قراءة في رواية “لا سكاكين في مطابخ هذة المدينة”

بقلم: زهراء الفرج

“لا سكاكين في مطابخ هذة المدينة”


-1_1_~1-1-01

للروائي السوري خالد خليفة, الذي استحضر مدينة حلب في خمسة فصول “حقول الخس”,”عنق ملوكي وحذاء أحمر”,”جثث متفسخة”,”طرق غامضة”,”الأم الميتة”

تلك المدينة التي عانت من عملية مسخ شمل جميع جوانبها الحضاري,الإقتصادي و الأمني حتى أمست عار ضخم يجثو على صدر الإنسانية.

حلب تلك السورية اليانعة المولعة بالطرب و الطعام المعقد الدسم الذي يشبه تركيبة تاريخها الطويل, أُجبرت على أرتداء العار من قبل الحزب البعثي الذي حكم البلاد و العباد من وجهة نظر الكاتب.

حاول الكاتب إسقاط رمزيات العار على عائلة متشظية, أم ذات طباع أرستقراطية تتبع حبها لرجل ريفي يتزوجها و يشترط عليها الأنتقال معه إلى قريته, ثم يهجرها هي و أبناءها الأربعة مما يضطرها الأمر لأن تعود إلى مدينها “حلب” التي تبرأت من أبنائها !

إسقاط الراوي على شخصيات هذة العائلة كان مجحف جداً بحق المدينة و بحق شعب كامل, نزار خال شاذ جنسياً ,سوسن الأبنة المنفلتة و المتهتكة في علاقات غير مبررة, رشيد الذي يشتهي أخته سوسن! سعاد المعاقة و التي كرهتها أمها و خبئتها طوال عمرها , راوي القصة و هو أصغرهم متماهي مع قدره حتى اصبح كالهامش تماماً.

كل شخصية تنفع لأن تكون رواية بحد ذاتها زاخرة  بتفاصيل و نقلات, إلا هناك بعض النقلات غير منطقية وغير المبررة تشتت القارئ .

لغة الكاتب لغة جريئة و صادمة جداً ربما تعمد الكاتب ذالك ليُظهر مدى إنفتاحه و واقعيته , في محاولة غير موفقة من وجهة نظري ليحيل كل الصراعات النفسية و الجنسية التي عاشتها الشخصيات على النظام الحاكم و الذي صوره بلعنة( العار) التي تصيب كل من ينزح تحته!

الشخصية الوحيدة التي كانت قريبة ربما من “حلب” هي  الأم

المرأة الكلاسيكية التي تهوى الموسيقى و ربطات العنق الأنيقة و رائحة الياسمين ,امرأة ارستقراطية في تفكيرها ,منخورة الروح بسوسة رجل هجرها إلى بلاد تفوح منها الحرية .

كما أن ن اللغة الأدبية جيدة, نجمة لامعة لبعض التشبيهات و الصور الرائعة في بعض الفصول, لكنه استخدم القوالب الجاهزة كثيراً.

“إنطباعي بعد قراءة الرواية”

أنها الرواية الأولى التي تشعرني بهذا الكم الهائل من الإحباط و القرف.

رسائل من ذاكرة المطر – رسالة أخيرة

بقلم: زهراء الفرج

يا صديقة المطر..
رغيف رسائلك المعجون بقمح الغربة والحياة هو من أغراني كي آكل نصفه!
واجتر لذة الكلمات والعمق فيه.
فالمطر الذي يلكأ حزن السياب هو نفسه الذي أتخيله يهبط على قريتي فيخلع عنها شبح الوجد.
أما الرهش!! آه لو تعلمين ماذا يفعل بي الرهش؟
سنوات وأنا اراه قابع في ثلاجتنا خلف سلة التفاح أو بجانب الزيتون الهارب من تونس الحزين، كنت أتجاهله تماماً، أمد يدي لعصير أو إلى موزة!
كما يتجاهل القدر أحياناً أمانينا ويقذف بها عنابر الإعدام!
لكنه سرعان ما يندم ويمنحنا أمنية فوق ما كنا نحلم، فكنتِ أنتِ الأمنية يا مذاق “الرهش “
مؤخراً اشتريت رهش كويتي وأنا حقيقة لا أحبه، فقط لأتعرف على هذا المخلوق الذي طالما ذاب في مطر فمك.
قد تستغربين من حديثي هذا، فأنا يا عزيزتي لست أخاكِ علي، أنا صديقه وزميله أوكلني مهمة الرد على بعض رسائل العمل الخاصة، لإنشغاله بمؤتمر في بروكسل.
أعتذر بشدة على تطفلي هذا.
لكنه بمحض الصدفة أو العمد قرأت رسائلك أقصد غرقت في تقاطع الروح والقلم، الرهش والمطر، لحم الغربة المر و لون الحناء الذي أتخيله الآن!

هل من المسموح أن أقول لك.. أحببتك من أول علبة رهش!
هل لي أن اسألك كيف هو طعمه حين يذوب في مطرك؟
كيف لكِ أن تجعلي الأشياء يسيل لعابها من فرط الدهشة؟
يا أخت صديقي يا من تجيدين تصفيف الأحزان وإطعام الجرح لقمة سكر وكوب قهوة في آن!
ها أنا جرح قديم عمره سبع و عشرون إبرة! اسمه للمصادفة “مطر”،  أحلامي زوارق طالت رحلتها وتحلم بالمرسى، فكوني المرسى الذي به تستريح الأشرعة من مواجهة الريح!

أنا أطلبك للحب!!

حزن تركي

بقلم: زهراء الفرج

تتخمر الأحزان على سطح روحي فتشوه الفطريات الموجعه بياضي! لا شيء حولي يهمه بياضي،كل شيء غارق في ذاته. لكنها السجادة التركية الحمراء منذ سنوات وهي حزينة عند باب غرفتي،انظر إليها لأسخر من جرحها الذكوري! فتشيح بأحزانها بين خيوطها و تدس وجعها تحت زخارفها تتذكر حبيبها الذي حاك جمالها وهو يغني كالناي الوحيد على رصيف الفرح! دفء أصابعه،  اظافره المتكسره ! رائحة الشاي الشاهدة على نضوج الغرزة! كيف تنازل عنها و اعدمها بالغربة، لتحط عند باب خشبي كلقيطة.

رسائل من ذاكرة المطر – رسالة حناء

بقلم: زهراء الفرج

 

صباح الخير أو مساؤه…
تبعاً لتوقيت مدينتك!
ألهذا الحد أنت منشغل، لم ترد على رسالتي! ولا أجدك متصلاً بالماسنجر أو السكاي بي!
على كل حال أخبرني والدي بأنك في بروكسل لحضور مؤتمر، لماذا لم تقل لي يا لئيم؟
الآن أنت رفيقي في الغربة، تلك الرفيقة السيئة فهي لا تمد جناحيها لك، لا تدثر حزنك الشرقي حينما يقرص روحك!
تتمدد فيك كما تتمدد جذور شجرة طفيلية مساحات وطنك!
اسمح لي يا عزيزي علي بأن أبوح لك بأجمل أسرارها.

في بلاد مثل دول أوروبا الإنسانية فيها ناضجة كنارجيل دمشقي في بيت فاتنة، قد تنشأ لديك أسئلة وتتخمر في جيبك قبل نطقها! ففي بلادنا علمُونا أن السؤال شرك والتفكير كفر والأقلام خُلقت لنسخ قطع من كتب المطالعة، وتسجيل مقاسات اثواب قصيرة، أو عباءة سوداء واسعة جداً!
أليس المجتمع الإنساني هو وطن لكل بني البشر! إذن ربما في بلادي تكمن الغربة.
أما هنا فأنت تعيش إنسانيتك في حضانة صحية وسوية، قد ترى بعض دساتير دينك في نظافة شوارعهم وابتسامة أغلبهم، في طابور الباص وفي إيصال صغيرك إلى الرصيف المقابل.
أشياء كثيرة توحي لك بالجمال والكمال، وحدها أمك لا يمكن استحضارها بأي شيء،
فأمي حينما تقطف عناقيد شبابها لتعلمنا كيف نمسك القلم ونلبس سراويلنا ونحفظ سورة الكوثر؛ أمي حينما تحشو رئتيها بالحزن وتبتسم لنا حتى نندس في حضنها!
أمي حينما تجرح يدها وهي تصنع كعكة ميلاد أحدنا، أمي حينما لا يشبهها وطن فهو غربة!
لكن المفرح أن شمس ابنة خالتي قادمة غداً لتدرس هنا معي، أخيراً وافق والدها على ابتعاثها، أوصتني أمي عليها، وأخبرتني أنها ارسلت حناء معها.
أشك بأن هذا الحناء سيزيد عذابي، شأنه شأن الرهش سيفقد خواصه هنا، أمي وحدها من يجيد مكّ الحناء والغناء أثناء تلطيخ رأسي به.
سأرسل لك صورتي بالحناء، فأنا أعرف بأنك لا تطيقه!