أحلام مغادرة

زهراء الفرج

عند بوابة المغادرة تلتقي حقائب الأحلام الهاربة أو المنفية، وأحلام أخرى ميتة محنطة، تنتظر عفن ما يرحم، ما تبقى من جلدها!
نصطف حلماً حلماً ليختم لنا بالعبور إلى صالة الانتظار، “الانتظار ” تلك اللعنة الملازمة لحدوث الأمنيات المغمورة في نبض الشغف.
وفي صالة الاحتضار حيث تموت الدقائق وتنتحب الساعات، تجثم رائحة الوداع على المكان، وأكواب القهوة هي آخر المودعين فقد طبعت مرارتها جيداً على أفواه المغادرين!

لم يكن هناك سكر يخفف من فداحة (الكوفيين) سوى عينيك السوداوين، مطار لا يحتاج إلى جواز عبور أو تذاكر لمقاعد صنمية تحتضن كل من يدفع!
عيناك سفر بلا وعثاء، لقاء مسروق من دستور القبيلة، عيناك تلال تلهو به غزلان طريدة.
كيف لحديث قصير بين عيون غائرة في إثم الهروب أن يكون بهذا العمق؟
عين خائفة وجلة لم تنشف بعد غيث الحنين وأخرى فرحة تشعل قنديل العيد، هذا التناقض السامي للعيون على متن الرحيل يُشعرك بأصالة الإنسانية.
فعينك الغائمة خبأت وردة في رواية لعبده خال من عاشقة تنتظر موسم الحصاد!
عين ما برحت دكة الشارع الحي ببائع البليلة ودكان العم صالح، وصبية حفاة يبللون براءتهم بمياه الحفر الشمطاء!
هي ما شُفيت من رائحة العباءة السوداء المشمعة بالسهر والدعاء!
هي مازالت تقف عند شجرة الكنار في انتظار إخوة اللهو!
و قنديلك المشتعل يتقد أملاً بجديلة شقراء لها رائحة الحناء، قد طالت ونضجت وتنتظر القطاف، وبدعاء يربط السماء بالأرض ينثر أثيره من عباءة سوداء، وبحلم ارتدى ثوب الواقع وتعطر بالتحقيق. اللوعة والأمل معادلة الحياة في تسيير الكون فهي ليست مطلقة الكرم لتمنح الفرح جملة، ولا مغلولة اليد لتمنع الأمنيات من الهطول على سفوح الروح.
جاء النداء الأخير لرحلة أكواب القهوة وحقائب الورد والروايات، ليلملم كل منا ما تساقط من وجعه، ويلفه بقماط الابتسام.
الحياة كالقهوة، تكمن لذتها في مرارتها.

حزن باذخ

زهراء الفرج

على طاولة سوداء تبعد عن طاولة منزلي جسراً من الطوب و الحمام!
جلست سلطتي المفضلة أمامي محاولة إبهاجي بتناغم ألوانها وحرفية مُعدها لكن ما يُسعدني أو ظننت أنه يسعدني هو الاسم الأرستقراطي للمكان، مطعم باذخ بالوجوه الهاربة من فراغها إلى موائد تحشو بها الدقائق والثواني كي نبدو أرقى.
التصنع هو حيلة المكان يخلق سكراً أبيض يطعمه لمن أدمنوا النِعم! فيدمنوا أكثر على اللذة فما تعود هنالك لذة.
لم يكن هناك حديث سوى صوت المعالق والشوك ولا دفء سوى حرارة شوربة الفطر، أما نحن فعلى ضفتين متباعدتين هو على هاتفه وأنا على نافذة واسعة على يساري تطل على حديقة أنيقة وموقف لسيارات فارهة تحمل لوح دول مختلفة أغلبها سوداء أو بيضاء،  لا أعرف لماذا يعمد الباذخين إلى التطرف في كل شيء،  كأولئك الباذخين بالموت يقسمون الكون إلى سواد أفكارهم أو بياض الاكفان! تقدم رجل خمسيني يرتدي بزة رياضية إلى سيارته السوداء وأوشك أن يتعارك مع شخص كاد يحتك بالسيارة أثناء محاولة للركن بجانبه حيث كنت أنا مركونة على كرسي جلدي استأجرت حضنه الأثيري علني احظى بالدفء!
لكنه بالنهاية أبتسم ولوح بيده للرجل، المسافة حرمتني سماع كلماتهم لكنها منحتني متعة خلق سيناريو وحوار، حوار لفيلم صامت من بطولة شارلي شابلن لكن شارلي لم يكن في فيلم بل على المسرح مسرح حي نهاري ليس له ستائر أو تذاكر، دخوله مجاني أو صدقاً ثمنه حياتك فأنت بالنهاية جزء من المسرحية.
شارلي هنا لم يكن يمثل بل المسرح يمثله، أخرج من كيس أزرق كبير سطل وصابون وممسحة وعلبة ماء كبيرة وبدأ بتدليك وتلميع سواد السيارة !!!
لم تكن سيارته، لم يكن صاحبها،  وقد لا يعرف اسمها من فرط بذخها و غرابتها،  لماذا إذن ذلك الدفاع عن بشرتها وزجاجها!
لربما كان يدافع عن علبة آيس كريم سيشتريها لحفيدته؟
أو عن حذاء أحمر لابنته! أو عن دواء لزوجته! أو عن أحلام ابنه الطامح للإبتعاث!
أو ليدفع قيمة جدران أو أبواب استأجرهم على وطنه! ومع دفاعه بعرقه عن كرامته كان يبتسم، يسكب الماء كمن يسقي التلال لكنها تلال ستزهر أحلاماً وآيس كريم!
يبتسم وهو يملك ماء وصابون و أنا هنا على مائدة خجلي كيف أُؤثث للسعادة بلداً ومطعماً و موسيقى، وطاقم لا يعرف مني سوى جيبي، ولا تجيء السعادة!
السعادة، الابتسامة، إمتلاء الرئتين بالحياة لا يحتاجون إلى أثاث، بل إلى ماء يبلل أرواحنا فتغدو طرية غضة مورقة وصابون ينظف الذاكرة من الاحزان العالقة.

كاميرا الخبز

زهراء الفرج

جلد فاقع السواد يغلف بياض أرواحهم وعيون لؤلؤية واسعة، بريقها لا ينضب تضئ محاجرهم، يتوزعون بشكل عشوائي في خارطة المكان أن صح تسمته بمكان! جغرافياً هو كذلك لكنه خواء إنساني.
هو بؤس الأزمنة المتكدس على جلودهم وعظامهم وأظافرهم!
الجغرافيا بالتحديد هي من أغمدت خنجر التمايز حينما حملت بهم في رحم الدول السوداء!
أطفال المكان ينهشون لحم الساعات باللعب على أقدارهم بكرة نصف منتفخة، فهنا لا شيء مكتمل جميع الأشياء إما طاغية فوق الحد أو منتصفة.
الألم يطغو ومن بعده تنتصف الحياة، نصف خبز ، نصف بيت، نصف موت! وحدها الأحلام كاملة الدسم يسيل لها لعاب الروح.

الأحلام هناك لها رائحة القمح وقلم الرصاص، لها أحذية تلعب الكرة وجدران ووسائد وقائمة عاتية على الوجود أو لا يراد لها الوجود من يحتكر حصة الحياة لرصيده وكأنها أسهم يضارب بها ما يشاء ليبقى هو السيد دوماً! ما أحقر السيد الذي يكون سيدا بجمع أوجاع الناس وأصوات معدهم الخاوية.
وصلنا لتونا “المكان ” أنا ومن يُشاطرنني الشغف في فض الخوف وتأبط التحدي، نحمل حقائب ظهر وأكياس في ايدينا يرافقنا رجل من سلالتهم أربعيني مربوع القامة، انحسر شعره عن مقدمة رأسه، يرتدي نظارات سميكة بشعة كبشاعة رائحته التي تحملناها من المطار إلى عنق المكان حيث لا فنادق فارهه أو مياه نظيفة أو طعام شهي. جميع الأمور هنا رمادية قائمة لتسد الحاجة فقط دون أي إضافات برتوكولية، أكواخ من بقايا جميع الأشياء صفائح قمامة، خشب لصناديق برتقال، أسلاك تعذرت على وصل أي شيء وكأنها تعترض على وجودها  بهذا المكان التعس حتى باتت جزء من هندسة العمارة فيه!
كيف لقمامة اعتدات نشر نتانة أمعائها أن تستر أكوام طازجة من من البشر؟ إنها الحياة حينما تمنح السفلة قبعة السياده ليمارسوا استعبادهم على اللحوم والأحلام!
يقترب الناس ليصافحونا بابتساماتهم لتفضح عمق الوجع فخلف أسنانهم ألسن بيضاء ما لعقت دسم منذ سنين، يقتربون أكثر يسألون من أين جئنا لماذا نحن هنا؟
هل أنتم من منظمة؟ هل سنحصل على حصة غذائية غداً؟ أم انتم حملة طبية لتطعيم أطفالنا؟
-نحن الشاهد على نحر إنسانيتكم!
ليست لدينا غلال سوى عدسات كاميراتنا!
ولا أمصال نحقن بها عروق بؤسكم سوى فلاشتنا!
فتتسع ابتساماتهم للصورة وتغير عيونهم للخبز!

حافلة بعيون عسلية

زهراء الفرج

في حافلة بيضاء ضجرة يتمدد فيها سئم الإنتظار، وتجثو على صدرها مقاعد حمراء كسلى تستقبل “الجالس عليها ” بصوت أشبه بحشرجة كهل، تلتحف سقف ممزق الاحشاء حتى بدت منه كبده القطنية.
وحدها النوافذ كانت متجملة بأشعة ذهبية جمعتها من عين السماء، تصغي إلى أفكار من يضع رأسه على صدرها تمنحة شئ من الإحتضان، و من يفتحها كمن يفتح شاشة التلفزيون تبث له أصوات و صور لأناس يمكن لمسهم و شمهم وتخيل قصصهم، صوت ضحك و ثرثرة، أغان و شتائم!
و زئير المركبات يعطي خلفية موسيقية لمشهد سيريالي تبثة نافذة حبلى بالحياة!
حمل لا يمكن إجهاضه حتى بوضع الستائر التي اختارت إحدى الراكبات فك قيدها لتنسدل بخفه وتمنح المكان سكون النص الظلام!
فُتح الباب لتركب آخر طالبة وتهبط كفراشة بجانبي سلمت على الجميع بصوت بدا رخامي صاف أجاب عليه أنا فقط فكأن الصامتات يعاقبنها على تبجحها في التأخير ولكن لا يهم فنحن جميعاً لا نعرف من بعضنا البعض سوا العيون هذا ما منحنا أياه “النقاب ” جعلنا نتقن أشكال العيون نتخاطب بها و نقسو و ننتظر بها!
قالت لي و هي التي لا تعرفني “: نزل راتب الشؤون” سأنزل السوق اليوم لأشتري “جاكيت ” لأبن أختي فقد أوصاني بأن يكون لونه أخضر أخبرني أن برد المدرسة صباحاً أكثر وحشية من “الزومبي “، بينما كنت أتساءل مع نفسي كيف لنا أن نشارك من لا نعرفهم أو بالأصح من لا نعرف منهم سوا عيونهم و شيء من نبرات أصواتهم و أحياناً حرارة عروقهم حين التصافح!
هذه الأشياء كفيلة بأن تمنحنا ثقة الحديث و فتوى حلية البوح العميق، لنهطل بأسرارانا و أفراحنا و بكل شيء يرغب به الكلام أن يلده من رحم الأفواه.
ربما لأننا نبدوا لهم صفحة بيضاء غير مسطرة!
نختار لهم ما نريدهم أن يعرفوه ليمنحونا بالمقابل تعاطف و مجاملة زمنية ترضي فينا الشبق وينتهي الأمر!
بدت عيناها العسليتان أكثر إتساعاً من فرط الفرح، رموشها المتوسدة اجفانها بدت متراصة لتمنع دمعة توشك على السقوط! تتحدث بلغة السعادة المولدة حديثاً فهي وردية طرية،
لو تدرك “وزارة الشؤون الاجتماعية “انه ثمة عينان ستغدوان أكثر جمالاً و فتنة، انه ثمة لؤلئتان ستلمعان على اليابسة!
انه ثمة زهرتان على التلال بهما ندى!
لو أنها تدرك ذاك الطفل الحالم بدفء الصباح!
المشتهي للأخضر كما تشتهي العصافير الشجر!
لو أن الأشياء تدرك كم نحن ننتطرها و نتمناها كسفن اتعبها الإبحار و تشتاق إلى المرفأ، نحلم بحدوثها و الاحتفاء بها، نقلق لتأخرها و نهوي لعدمها كما يهوي طائر سرقت منه رصاصة فرصة الحياة!
أيتها الأشياء كونِ،
لتتسع العيون ويتسع العيش!