حافلة بعيون عسلية

زهراء الفرج

في حافلة بيضاء ضجرة يتمدد فيها سئم الإنتظار، وتجثو على صدرها مقاعد حمراء كسلى تستقبل “الجالس عليها ” بصوت أشبه بحشرجة كهل، تلتحف سقف ممزق الاحشاء حتى بدت منه كبده القطنية.
وحدها النوافذ كانت متجملة بأشعة ذهبية جمعتها من عين السماء، تصغي إلى أفكار من يضع رأسه على صدرها تمنحة شئ من الإحتضان، و من يفتحها كمن يفتح شاشة التلفزيون تبث له أصوات و صور لأناس يمكن لمسهم و شمهم وتخيل قصصهم، صوت ضحك و ثرثرة، أغان و شتائم!
و زئير المركبات يعطي خلفية موسيقية لمشهد سيريالي تبثة نافذة حبلى بالحياة!
حمل لا يمكن إجهاضه حتى بوضع الستائر التي اختارت إحدى الراكبات فك قيدها لتنسدل بخفه وتمنح المكان سكون النص الظلام!
فُتح الباب لتركب آخر طالبة وتهبط كفراشة بجانبي سلمت على الجميع بصوت بدا رخامي صاف أجاب عليه أنا فقط فكأن الصامتات يعاقبنها على تبجحها في التأخير ولكن لا يهم فنحن جميعاً لا نعرف من بعضنا البعض سوا العيون هذا ما منحنا أياه “النقاب ” جعلنا نتقن أشكال العيون نتخاطب بها و نقسو و ننتظر بها!
قالت لي و هي التي لا تعرفني “: نزل راتب الشؤون” سأنزل السوق اليوم لأشتري “جاكيت ” لأبن أختي فقد أوصاني بأن يكون لونه أخضر أخبرني أن برد المدرسة صباحاً أكثر وحشية من “الزومبي “، بينما كنت أتساءل مع نفسي كيف لنا أن نشارك من لا نعرفهم أو بالأصح من لا نعرف منهم سوا عيونهم و شيء من نبرات أصواتهم و أحياناً حرارة عروقهم حين التصافح!
هذه الأشياء كفيلة بأن تمنحنا ثقة الحديث و فتوى حلية البوح العميق، لنهطل بأسرارانا و أفراحنا و بكل شيء يرغب به الكلام أن يلده من رحم الأفواه.
ربما لأننا نبدوا لهم صفحة بيضاء غير مسطرة!
نختار لهم ما نريدهم أن يعرفوه ليمنحونا بالمقابل تعاطف و مجاملة زمنية ترضي فينا الشبق وينتهي الأمر!
بدت عيناها العسليتان أكثر إتساعاً من فرط الفرح، رموشها المتوسدة اجفانها بدت متراصة لتمنع دمعة توشك على السقوط! تتحدث بلغة السعادة المولدة حديثاً فهي وردية طرية،
لو تدرك “وزارة الشؤون الاجتماعية “انه ثمة عينان ستغدوان أكثر جمالاً و فتنة، انه ثمة لؤلئتان ستلمعان على اليابسة!
انه ثمة زهرتان على التلال بهما ندى!
لو أنها تدرك ذاك الطفل الحالم بدفء الصباح!
المشتهي للأخضر كما تشتهي العصافير الشجر!
لو أن الأشياء تدرك كم نحن ننتطرها و نتمناها كسفن اتعبها الإبحار و تشتاق إلى المرفأ، نحلم بحدوثها و الاحتفاء بها، نقلق لتأخرها و نهوي لعدمها كما يهوي طائر سرقت منه رصاصة فرصة الحياة!
أيتها الأشياء كونِ،
لتتسع العيون ويتسع العيش!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s