حزن باذخ

زهراء الفرج

على طاولة سوداء تبعد عن طاولة منزلي جسراً من الطوب و الحمام!
جلست سلطتي المفضلة أمامي محاولة إبهاجي بتناغم ألوانها وحرفية مُعدها لكن ما يُسعدني أو ظننت أنه يسعدني هو الاسم الأرستقراطي للمكان، مطعم باذخ بالوجوه الهاربة من فراغها إلى موائد تحشو بها الدقائق والثواني كي نبدو أرقى.
التصنع هو حيلة المكان يخلق سكراً أبيض يطعمه لمن أدمنوا النِعم! فيدمنوا أكثر على اللذة فما تعود هنالك لذة.
لم يكن هناك حديث سوى صوت المعالق والشوك ولا دفء سوى حرارة شوربة الفطر، أما نحن فعلى ضفتين متباعدتين هو على هاتفه وأنا على نافذة واسعة على يساري تطل على حديقة أنيقة وموقف لسيارات فارهة تحمل لوح دول مختلفة أغلبها سوداء أو بيضاء،  لا أعرف لماذا يعمد الباذخين إلى التطرف في كل شيء،  كأولئك الباذخين بالموت يقسمون الكون إلى سواد أفكارهم أو بياض الاكفان! تقدم رجل خمسيني يرتدي بزة رياضية إلى سيارته السوداء وأوشك أن يتعارك مع شخص كاد يحتك بالسيارة أثناء محاولة للركن بجانبه حيث كنت أنا مركونة على كرسي جلدي استأجرت حضنه الأثيري علني احظى بالدفء!
لكنه بالنهاية أبتسم ولوح بيده للرجل، المسافة حرمتني سماع كلماتهم لكنها منحتني متعة خلق سيناريو وحوار، حوار لفيلم صامت من بطولة شارلي شابلن لكن شارلي لم يكن في فيلم بل على المسرح مسرح حي نهاري ليس له ستائر أو تذاكر، دخوله مجاني أو صدقاً ثمنه حياتك فأنت بالنهاية جزء من المسرحية.
شارلي هنا لم يكن يمثل بل المسرح يمثله، أخرج من كيس أزرق كبير سطل وصابون وممسحة وعلبة ماء كبيرة وبدأ بتدليك وتلميع سواد السيارة !!!
لم تكن سيارته، لم يكن صاحبها،  وقد لا يعرف اسمها من فرط بذخها و غرابتها،  لماذا إذن ذلك الدفاع عن بشرتها وزجاجها!
لربما كان يدافع عن علبة آيس كريم سيشتريها لحفيدته؟
أو عن حذاء أحمر لابنته! أو عن دواء لزوجته! أو عن أحلام ابنه الطامح للإبتعاث!
أو ليدفع قيمة جدران أو أبواب استأجرهم على وطنه! ومع دفاعه بعرقه عن كرامته كان يبتسم، يسكب الماء كمن يسقي التلال لكنها تلال ستزهر أحلاماً وآيس كريم!
يبتسم وهو يملك ماء وصابون و أنا هنا على مائدة خجلي كيف أُؤثث للسعادة بلداً ومطعماً و موسيقى، وطاقم لا يعرف مني سوى جيبي، ولا تجيء السعادة!
السعادة، الابتسامة، إمتلاء الرئتين بالحياة لا يحتاجون إلى أثاث، بل إلى ماء يبلل أرواحنا فتغدو طرية غضة مورقة وصابون ينظف الذاكرة من الاحزان العالقة.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s