عورة متحركة

زهراء الفرج

الرابعة والنصف عصراً تخلع الشمس ثوبها الفاقع، المتوهج بالحرارة لتبدو كمليحة ناعسة، ترافقني الانتظار لتنظم لنا رياح راقصة بثوب شفاف، تنثر ذيلها على الوجود فيستجيب لإغوائها من يستجيب، كشعري الذي قبل دعوة رقص (فاندانغو) مع الطبيعة، وبدأ يتطاير في قاعة الجو وينسجم مع إيقاع الجمال من حوله، لطالما أحبت أمي أن يكون لي شعر كشعر الفتيات، حتى يتسنى لها خلق سبب آخر للاهتمام بقطعة آخرى في جذعي!

أخذ الانتظار يجثم بكامل مفاصله علي وأنا عند بوابة المعهد أترقب قدوم سائقي المتأخر.
بدأ الشارع بالنشاط واستقبال إيقاع الخطوات البشرية عليه، البشر المارون أمامي يحملون على رؤوسهم فصول الحياة تذاكر سفر، أقراص خبز، جرائم متخفية، وآثام تلكىء أرواحهم، شراشف تلفها أشواق ناضجة.
رؤوس تدق الأرقام والجداول أجراسها، تحلم بمناطحة الطبيعة والقفز على المستحيل بالأبراج والمعلقات، هذا الكائن الآدمي العاشق للتحدي والندية حد التجاسر!
يسعى إلى فهم وتفكيك كل شيء حتى لو كلفه ذلك احتطاب خطيئة على ظهر كتابة كأبيه آدم!

عندما تلتقي عيناي بعيونهم يبتسمون ونحن الشعب المتفوق بالتجهم!  ابتسامة بلا لون ورائحة ونكهة لكنها لا تشبه الماء العذب، هي كالمطر الحمضي الذي تكون في غيوم سوداء تحاول تبيض نفسها بافتعال ابتسامة رخوة كمخاط كلب قطبي!
يبتسمون يقتربون مني يهمسون هل أنت جائع، عطشان تنتظر وليك!
ويستمرون في بذل المزيد من الابتسامات لكنني كنت استقبلها بصقات مالحة تزيد الجرح قرحاً.
أنتم أولى بابتسامة الشفقة هذه، أمنحوها أنفسكم ذات الجلد المتشقق المتقشر علها تترطب وتستعيد فطرتها!
هي فقط من مرت بجانبي ولم تهتم لوجودي المتصلب على كرسي المتحرك، امرأة فارعة الطول سمراء البشرة عيناها كهفان غامضان تسكناه حمامتان، وقعت من فوري في غرام تجاهلها بل تراجعت لتسألني: هل تمر سيارات أجرة من هنا؟
عاملتني كما يتعامل أبناء هذه الصحراء مع بعضهم، كما تلتقي السحب في زرقة الكون دون أن تمطر أو ترعد تمر بسلام، سألتني بلا عبارات الطلب اللبقة أو كلمات ثناء منمقة، تحدثت معي بنمطية فادحة!
شعرت بأني كائن لا اختلف عنهم، صحراوي متشقق وبأن شعري منحني بداوة لا رقة ونعومة كما أرادت أمي!
والكرسي الذي امتطي صهوته ما هو إلا كرسي حديدي في موقف الباصات لا يمنحني امتيازاً استحق به ابتسامات جافة أو شفقة مهترئة.
أنا وكرسيي لا نحتاج لزيفكم!
فقط دعونا نتقاسم الإنسانية كما نتقاسم الرمل والشمس، الغيوم والقصائد.
كفوا أعينكم عن التحديق كما لو كنت عارياً، وعورتي كرسي متحرك!.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s