رسائل من ذاكرة المطر – رسالة أخيرة

بقلم: زهراء الفرج

يا صديقة المطر..
رغيف رسائلك المعجون بقمح الغربة والحياة هو من أغراني كي آكل نصفه!
واجتر لذة الكلمات والعمق فيه.
فالمطر الذي يلكأ حزن السياب هو نفسه الذي أتخيله يهبط على قريتي فيخلع عنها شبح الوجد.
أما الرهش!! آه لو تعلمين ماذا يفعل بي الرهش؟
سنوات وأنا اراه قابع في ثلاجتنا خلف سلة التفاح أو بجانب الزيتون الهارب من تونس الحزين، كنت أتجاهله تماماً، أمد يدي لعصير أو إلى موزة!
كما يتجاهل القدر أحياناً أمانينا ويقذف بها عنابر الإعدام!
لكنه سرعان ما يندم ويمنحنا أمنية فوق ما كنا نحلم، فكنتِ أنتِ الأمنية يا مذاق “الرهش “
مؤخراً اشتريت رهش كويتي وأنا حقيقة لا أحبه، فقط لأتعرف على هذا المخلوق الذي طالما ذاب في مطر فمك.
قد تستغربين من حديثي هذا، فأنا يا عزيزتي لست أخاكِ علي، أنا صديقه وزميله أوكلني مهمة الرد على بعض رسائل العمل الخاصة، لإنشغاله بمؤتمر في بروكسل.
أعتذر بشدة على تطفلي هذا.
لكنه بمحض الصدفة أو العمد قرأت رسائلك أقصد غرقت في تقاطع الروح والقلم، الرهش والمطر، لحم الغربة المر و لون الحناء الذي أتخيله الآن!

هل من المسموح أن أقول لك.. أحببتك من أول علبة رهش!
هل لي أن اسألك كيف هو طعمه حين يذوب في مطرك؟
كيف لكِ أن تجعلي الأشياء يسيل لعابها من فرط الدهشة؟
يا أخت صديقي يا من تجيدين تصفيف الأحزان وإطعام الجرح لقمة سكر وكوب قهوة في آن!
ها أنا جرح قديم عمره سبع و عشرون إبرة! اسمه للمصادفة “مطر”،  أحلامي زوارق طالت رحلتها وتحلم بالمرسى، فكوني المرسى الذي به تستريح الأشرعة من مواجهة الريح!

أنا أطلبك للحب!!

رسائل من ذاكرة المطر – رسالة حناء

بقلم: زهراء الفرج

 

صباح الخير أو مساؤه…
تبعاً لتوقيت مدينتك!
ألهذا الحد أنت منشغل، لم ترد على رسالتي! ولا أجدك متصلاً بالماسنجر أو السكاي بي!
على كل حال أخبرني والدي بأنك في بروكسل لحضور مؤتمر، لماذا لم تقل لي يا لئيم؟
الآن أنت رفيقي في الغربة، تلك الرفيقة السيئة فهي لا تمد جناحيها لك، لا تدثر حزنك الشرقي حينما يقرص روحك!
تتمدد فيك كما تتمدد جذور شجرة طفيلية مساحات وطنك!
اسمح لي يا عزيزي علي بأن أبوح لك بأجمل أسرارها.

في بلاد مثل دول أوروبا الإنسانية فيها ناضجة كنارجيل دمشقي في بيت فاتنة، قد تنشأ لديك أسئلة وتتخمر في جيبك قبل نطقها! ففي بلادنا علمُونا أن السؤال شرك والتفكير كفر والأقلام خُلقت لنسخ قطع من كتب المطالعة، وتسجيل مقاسات اثواب قصيرة، أو عباءة سوداء واسعة جداً!
أليس المجتمع الإنساني هو وطن لكل بني البشر! إذن ربما في بلادي تكمن الغربة.
أما هنا فأنت تعيش إنسانيتك في حضانة صحية وسوية، قد ترى بعض دساتير دينك في نظافة شوارعهم وابتسامة أغلبهم، في طابور الباص وفي إيصال صغيرك إلى الرصيف المقابل.
أشياء كثيرة توحي لك بالجمال والكمال، وحدها أمك لا يمكن استحضارها بأي شيء،
فأمي حينما تقطف عناقيد شبابها لتعلمنا كيف نمسك القلم ونلبس سراويلنا ونحفظ سورة الكوثر؛ أمي حينما تحشو رئتيها بالحزن وتبتسم لنا حتى نندس في حضنها!
أمي حينما تجرح يدها وهي تصنع كعكة ميلاد أحدنا، أمي حينما لا يشبهها وطن فهو غربة!
لكن المفرح أن شمس ابنة خالتي قادمة غداً لتدرس هنا معي، أخيراً وافق والدها على ابتعاثها، أوصتني أمي عليها، وأخبرتني أنها ارسلت حناء معها.
أشك بأن هذا الحناء سيزيد عذابي، شأنه شأن الرهش سيفقد خواصه هنا، أمي وحدها من يجيد مكّ الحناء والغناء أثناء تلطيخ رأسي به.
سأرسل لك صورتي بالحناء، فأنا أعرف بأنك لا تطيقه!

رسائل من ذاكرة المطر – رسالة كرتونية

زهراء الفرج
قلبي علي..
هذه المرة كان الرهش مُراً جداً!
وكأن السكر استبدل خواصه أو بطُل مفعوله في بلاد الإنجليز! فليس مع الرهش حليب مهيل ولا عصر لبق يجمعنا، ولا جلسة أبي الأرستقراطية ولا أمي تسكب روحها في المكان، ولا أنت تعكر مزاجي بمزحك الخشبي، هذه هي مقادير الرهش الحقيقية، أما ما وصلني فنحت شمعي يحمل صورة الرهش كتلك النحوت التي تستنسخ الطول واللون والأنف، لكنها تعجز عن نسخ الروح.
اكتب لك والسماء تلد توائم مليونية من الأحلام على هيئة مطر، إنه اليوم الثالث التي تمطر (ليدز) صديقة المطر بل هي ابنته. أخبرني معلمي بأن المدن هنا مصابة بالمطر وتحلم بالتخلص منه!
الكائن الذي نصلي لولادته على أرضنا ونزرع تحته الدعوات والأمنيات هو منبوذ كلقيط هنا!
خرجت بالأمس إلى البقالة فكان كل شيء حولي يستحم الأشجار، سيارات الأجرة، التفاح المركون في مقدمة الخضّار، قطة جارتي، المطر عادل يوزع نفسه بلا عنصرية يغمر مكونات الوجود بتساوي، هو تجلي فضيع عن خالقه!
تخيل لو أن الغراب دفن ضحيته في غيمة ورآه قابيل!!
لتحولت كل الجثث لثلج أو مطر.
هل لك ان تتصور بأن استحيل إلى حبات مطر أسقط على متسول، فأزيد بؤسه أو على زهرة صفراء استفاقت لتوها أو ربما على قمامة قديمة متعفنة تحوي فضلات كلاب أو حذاء فرزاتشي ملته صاحبته!
هل سيكون الموت رومانسياً هكذا، أم أنه يبقى كما هو موت!
يا إلهي إني أتحدث بطريقة فلسفية مقيتة، لكنني لا أهتم فمعك يحلو لقلمي أن يهذي ويفض هذا البياض بحروفه، فعالمي معك ليس به مقص يقرض ما لا يشتهيه، يالله تذكرت عندما انتقمنا من العاملة بقص ملابسها وحينما كُشف أمرنا اختبئنا في كرتون الملابس الشتوية كنت ابكي و انت صامت، آآآه نحن النساء تبكي مشاعرنا، جلدنا، تنتحب أظافرنا وأنتم صامتون صنميون، لن أدف الرسالة إلى معركة نسائية ذكورية فقبلتك تشفع لك.
علي.. هل كنا أوغاد بفعلتنا؟ سؤال تأخر 16 عاماً وإجابته ربما لن تجيء فالبشر كلهم يعتقدون أنهم محقون، الأمر معقد في تصنيف الحق والباطل فالاحساء تختلف عن ليدز عن دمشق عن بوخارست.
مشتاقة لك يا كرتوني.

رسائل من ذاكرة المطر – رسالة رهش

زهراء الفرج

مرت ثلاثة أشهر على آخر رسالة الكترونية استلمتها منك، تلك الرسالة المحقونه بنكهة الذكريات وبلون عينيك، ما أجمل عينيك!
قرأتها مرات ومرات محاولةً أن اجاريها جمالاً لكنِ مع أول كلمة أسقط وأهن، فأدس حروفي في جيوب مخيلتي لوقت آخر
(جنانو) حبيبتي شقيقة روحي تذكرتكِ اليوم، بالأصل لم تغيبي لكنه “الرهش ” الذي يعشقه فمك حرضني على الكتابة إليكِ، كنت في الكويت هذا البلد الأرجوحة حيث البحر والديمقراطية، البدو والرهش، كل هذه المقادير كونت بلد استثنائي على مستوى الخليج.
انتهيت من حضور معرض الكتاب متأخراً، لم يكن بوسعي أن انسلخ من ذاك المكان بسهولة، كل شيء فيه معجون بالارستقراطيه السجاد، اللوح الإعلانية، باعة دور النشر والكتب المتراصة كأنها أطقم أكواب كرستالية. اشتريتٌ ثلاثة كتب بعد أن قاومت إغواء الكثير، تذكرين عندما كنا نحضر المعارض سوية وتنظرين إلى الكتب بشفقة، هذا الكتاب يحتاجني، يحتاج أن يشهق بين يدي!
وهذا الكتاب غلافه وسيم، سيبات معي على الوسادة!
ومن كان يستطيع كبح شهوتك للكتب؟
المهم.. يا.. (قلبو) ذهبت لسوق المباركية واشتريت خمس علب رهش واحدة لنا بالبيت والأربع لكِ فهو مشتاق للثم فمك!ِ
وأثق بأن الواحدة ترغب في اللحاق بالأربع لتحظى بالنهاية الأجمل على الإطلاق(الذوبان)!
الذي به تستحيل الأشياء أو الشيئان إلى شيء واحد غارق بنفسه.
أوووه أخيتي الفراق جعلني اكتب كالعشاق!  ربما ستكون هذه الحسنة الوحيده لغربتك أنها جعلتني اكتب من جديد بلغة تليق بأخوتنا، بطفولتنا، بأوجاعنا
بكل أشيائنا السرية معاً! هل تذكرين تلك الأشياء التي تعرضنا بسببها إلى العقاب، كنا نبكي ملتصقين ببعضنا كعصفورين صغيرين في قفص سلب منهما الحرية والتحليق الذي له خُلقا!
التحليق هو تماما ما أريده كي اصل إليك في “بريطانيا” وأعطيك الرهش المشتاق كما انا، ربما في عطلتي أما الآن فمحبوبك بين حقائب مصطفى البراهيم صديق أبي سيتواصل معك قريباً.

سلامي يا كثيفة الروح.

عورة متحركة

زهراء الفرج

الرابعة والنصف عصراً تخلع الشمس ثوبها الفاقع، المتوهج بالحرارة لتبدو كمليحة ناعسة، ترافقني الانتظار لتنظم لنا رياح راقصة بثوب شفاف، تنثر ذيلها على الوجود فيستجيب لإغوائها من يستجيب، كشعري الذي قبل دعوة رقص (فاندانغو) مع الطبيعة، وبدأ يتطاير في قاعة الجو وينسجم مع إيقاع الجمال من حوله، لطالما أحبت أمي أن يكون لي شعر كشعر الفتيات، حتى يتسنى لها خلق سبب آخر للاهتمام بقطعة آخرى في جذعي!

أخذ الانتظار يجثم بكامل مفاصله علي وأنا عند بوابة المعهد أترقب قدوم سائقي المتأخر.
بدأ الشارع بالنشاط واستقبال إيقاع الخطوات البشرية عليه، البشر المارون أمامي يحملون على رؤوسهم فصول الحياة تذاكر سفر، أقراص خبز، جرائم متخفية، وآثام تلكىء أرواحهم، شراشف تلفها أشواق ناضجة.
رؤوس تدق الأرقام والجداول أجراسها، تحلم بمناطحة الطبيعة والقفز على المستحيل بالأبراج والمعلقات، هذا الكائن الآدمي العاشق للتحدي والندية حد التجاسر!
يسعى إلى فهم وتفكيك كل شيء حتى لو كلفه ذلك احتطاب خطيئة على ظهر كتابة كأبيه آدم!

عندما تلتقي عيناي بعيونهم يبتسمون ونحن الشعب المتفوق بالتجهم!  ابتسامة بلا لون ورائحة ونكهة لكنها لا تشبه الماء العذب، هي كالمطر الحمضي الذي تكون في غيوم سوداء تحاول تبيض نفسها بافتعال ابتسامة رخوة كمخاط كلب قطبي!
يبتسمون يقتربون مني يهمسون هل أنت جائع، عطشان تنتظر وليك!
ويستمرون في بذل المزيد من الابتسامات لكنني كنت استقبلها بصقات مالحة تزيد الجرح قرحاً.
أنتم أولى بابتسامة الشفقة هذه، أمنحوها أنفسكم ذات الجلد المتشقق المتقشر علها تترطب وتستعيد فطرتها!
هي فقط من مرت بجانبي ولم تهتم لوجودي المتصلب على كرسي المتحرك، امرأة فارعة الطول سمراء البشرة عيناها كهفان غامضان تسكناه حمامتان، وقعت من فوري في غرام تجاهلها بل تراجعت لتسألني: هل تمر سيارات أجرة من هنا؟
عاملتني كما يتعامل أبناء هذه الصحراء مع بعضهم، كما تلتقي السحب في زرقة الكون دون أن تمطر أو ترعد تمر بسلام، سألتني بلا عبارات الطلب اللبقة أو كلمات ثناء منمقة، تحدثت معي بنمطية فادحة!
شعرت بأني كائن لا اختلف عنهم، صحراوي متشقق وبأن شعري منحني بداوة لا رقة ونعومة كما أرادت أمي!
والكرسي الذي امتطي صهوته ما هو إلا كرسي حديدي في موقف الباصات لا يمنحني امتيازاً استحق به ابتسامات جافة أو شفقة مهترئة.
أنا وكرسيي لا نحتاج لزيفكم!
فقط دعونا نتقاسم الإنسانية كما نتقاسم الرمل والشمس، الغيوم والقصائد.
كفوا أعينكم عن التحديق كما لو كنت عارياً، وعورتي كرسي متحرك!.

أحلام مغادرة

زهراء الفرج

عند بوابة المغادرة تلتقي حقائب الأحلام الهاربة أو المنفية، وأحلام أخرى ميتة محنطة، تنتظر عفن ما يرحم، ما تبقى من جلدها!
نصطف حلماً حلماً ليختم لنا بالعبور إلى صالة الانتظار، “الانتظار ” تلك اللعنة الملازمة لحدوث الأمنيات المغمورة في نبض الشغف.
وفي صالة الاحتضار حيث تموت الدقائق وتنتحب الساعات، تجثم رائحة الوداع على المكان، وأكواب القهوة هي آخر المودعين فقد طبعت مرارتها جيداً على أفواه المغادرين!

لم يكن هناك سكر يخفف من فداحة (الكوفيين) سوى عينيك السوداوين، مطار لا يحتاج إلى جواز عبور أو تذاكر لمقاعد صنمية تحتضن كل من يدفع!
عيناك سفر بلا وعثاء، لقاء مسروق من دستور القبيلة، عيناك تلال تلهو به غزلان طريدة.
كيف لحديث قصير بين عيون غائرة في إثم الهروب أن يكون بهذا العمق؟
عين خائفة وجلة لم تنشف بعد غيث الحنين وأخرى فرحة تشعل قنديل العيد، هذا التناقض السامي للعيون على متن الرحيل يُشعرك بأصالة الإنسانية.
فعينك الغائمة خبأت وردة في رواية لعبده خال من عاشقة تنتظر موسم الحصاد!
عين ما برحت دكة الشارع الحي ببائع البليلة ودكان العم صالح، وصبية حفاة يبللون براءتهم بمياه الحفر الشمطاء!
هي ما شُفيت من رائحة العباءة السوداء المشمعة بالسهر والدعاء!
هي مازالت تقف عند شجرة الكنار في انتظار إخوة اللهو!
و قنديلك المشتعل يتقد أملاً بجديلة شقراء لها رائحة الحناء، قد طالت ونضجت وتنتظر القطاف، وبدعاء يربط السماء بالأرض ينثر أثيره من عباءة سوداء، وبحلم ارتدى ثوب الواقع وتعطر بالتحقيق. اللوعة والأمل معادلة الحياة في تسيير الكون فهي ليست مطلقة الكرم لتمنح الفرح جملة، ولا مغلولة اليد لتمنع الأمنيات من الهطول على سفوح الروح.
جاء النداء الأخير لرحلة أكواب القهوة وحقائب الورد والروايات، ليلملم كل منا ما تساقط من وجعه، ويلفه بقماط الابتسام.
الحياة كالقهوة، تكمن لذتها في مرارتها.

حزن باذخ

زهراء الفرج

على طاولة سوداء تبعد عن طاولة منزلي جسراً من الطوب و الحمام!
جلست سلطتي المفضلة أمامي محاولة إبهاجي بتناغم ألوانها وحرفية مُعدها لكن ما يُسعدني أو ظننت أنه يسعدني هو الاسم الأرستقراطي للمكان، مطعم باذخ بالوجوه الهاربة من فراغها إلى موائد تحشو بها الدقائق والثواني كي نبدو أرقى.
التصنع هو حيلة المكان يخلق سكراً أبيض يطعمه لمن أدمنوا النِعم! فيدمنوا أكثر على اللذة فما تعود هنالك لذة.
لم يكن هناك حديث سوى صوت المعالق والشوك ولا دفء سوى حرارة شوربة الفطر، أما نحن فعلى ضفتين متباعدتين هو على هاتفه وأنا على نافذة واسعة على يساري تطل على حديقة أنيقة وموقف لسيارات فارهة تحمل لوح دول مختلفة أغلبها سوداء أو بيضاء،  لا أعرف لماذا يعمد الباذخين إلى التطرف في كل شيء،  كأولئك الباذخين بالموت يقسمون الكون إلى سواد أفكارهم أو بياض الاكفان! تقدم رجل خمسيني يرتدي بزة رياضية إلى سيارته السوداء وأوشك أن يتعارك مع شخص كاد يحتك بالسيارة أثناء محاولة للركن بجانبه حيث كنت أنا مركونة على كرسي جلدي استأجرت حضنه الأثيري علني احظى بالدفء!
لكنه بالنهاية أبتسم ولوح بيده للرجل، المسافة حرمتني سماع كلماتهم لكنها منحتني متعة خلق سيناريو وحوار، حوار لفيلم صامت من بطولة شارلي شابلن لكن شارلي لم يكن في فيلم بل على المسرح مسرح حي نهاري ليس له ستائر أو تذاكر، دخوله مجاني أو صدقاً ثمنه حياتك فأنت بالنهاية جزء من المسرحية.
شارلي هنا لم يكن يمثل بل المسرح يمثله، أخرج من كيس أزرق كبير سطل وصابون وممسحة وعلبة ماء كبيرة وبدأ بتدليك وتلميع سواد السيارة !!!
لم تكن سيارته، لم يكن صاحبها،  وقد لا يعرف اسمها من فرط بذخها و غرابتها،  لماذا إذن ذلك الدفاع عن بشرتها وزجاجها!
لربما كان يدافع عن علبة آيس كريم سيشتريها لحفيدته؟
أو عن حذاء أحمر لابنته! أو عن دواء لزوجته! أو عن أحلام ابنه الطامح للإبتعاث!
أو ليدفع قيمة جدران أو أبواب استأجرهم على وطنه! ومع دفاعه بعرقه عن كرامته كان يبتسم، يسكب الماء كمن يسقي التلال لكنها تلال ستزهر أحلاماً وآيس كريم!
يبتسم وهو يملك ماء وصابون و أنا هنا على مائدة خجلي كيف أُؤثث للسعادة بلداً ومطعماً و موسيقى، وطاقم لا يعرف مني سوى جيبي، ولا تجيء السعادة!
السعادة، الابتسامة، إمتلاء الرئتين بالحياة لا يحتاجون إلى أثاث، بل إلى ماء يبلل أرواحنا فتغدو طرية غضة مورقة وصابون ينظف الذاكرة من الاحزان العالقة.