كاميرا الخبز

زهراء الفرج

جلد فاقع السواد يغلف بياض أرواحهم وعيون لؤلؤية واسعة، بريقها لا ينضب تضئ محاجرهم، يتوزعون بشكل عشوائي في خارطة المكان أن صح تسمته بمكان! جغرافياً هو كذلك لكنه خواء إنساني.
هو بؤس الأزمنة المتكدس على جلودهم وعظامهم وأظافرهم!
الجغرافيا بالتحديد هي من أغمدت خنجر التمايز حينما حملت بهم في رحم الدول السوداء!
أطفال المكان ينهشون لحم الساعات باللعب على أقدارهم بكرة نصف منتفخة، فهنا لا شيء مكتمل جميع الأشياء إما طاغية فوق الحد أو منتصفة.
الألم يطغو ومن بعده تنتصف الحياة، نصف خبز ، نصف بيت، نصف موت! وحدها الأحلام كاملة الدسم يسيل لها لعاب الروح.

الأحلام هناك لها رائحة القمح وقلم الرصاص، لها أحذية تلعب الكرة وجدران ووسائد وقائمة عاتية على الوجود أو لا يراد لها الوجود من يحتكر حصة الحياة لرصيده وكأنها أسهم يضارب بها ما يشاء ليبقى هو السيد دوماً! ما أحقر السيد الذي يكون سيدا بجمع أوجاع الناس وأصوات معدهم الخاوية.
وصلنا لتونا “المكان ” أنا ومن يُشاطرنني الشغف في فض الخوف وتأبط التحدي، نحمل حقائب ظهر وأكياس في ايدينا يرافقنا رجل من سلالتهم أربعيني مربوع القامة، انحسر شعره عن مقدمة رأسه، يرتدي نظارات سميكة بشعة كبشاعة رائحته التي تحملناها من المطار إلى عنق المكان حيث لا فنادق فارهه أو مياه نظيفة أو طعام شهي. جميع الأمور هنا رمادية قائمة لتسد الحاجة فقط دون أي إضافات برتوكولية، أكواخ من بقايا جميع الأشياء صفائح قمامة، خشب لصناديق برتقال، أسلاك تعذرت على وصل أي شيء وكأنها تعترض على وجودها  بهذا المكان التعس حتى باتت جزء من هندسة العمارة فيه!
كيف لقمامة اعتدات نشر نتانة أمعائها أن تستر أكوام طازجة من من البشر؟ إنها الحياة حينما تمنح السفلة قبعة السياده ليمارسوا استعبادهم على اللحوم والأحلام!
يقترب الناس ليصافحونا بابتساماتهم لتفضح عمق الوجع فخلف أسنانهم ألسن بيضاء ما لعقت دسم منذ سنين، يقتربون أكثر يسألون من أين جئنا لماذا نحن هنا؟
هل أنتم من منظمة؟ هل سنحصل على حصة غذائية غداً؟ أم انتم حملة طبية لتطعيم أطفالنا؟
-نحن الشاهد على نحر إنسانيتكم!
ليست لدينا غلال سوى عدسات كاميراتنا!
ولا أمصال نحقن بها عروق بؤسكم سوى فلاشتنا!
فتتسع ابتساماتهم للصورة وتغير عيونهم للخبز!

الإعلانات

حافلة بعيون عسلية

زهراء الفرج

في حافلة بيضاء ضجرة يتمدد فيها سئم الإنتظار، وتجثو على صدرها مقاعد حمراء كسلى تستقبل “الجالس عليها ” بصوت أشبه بحشرجة كهل، تلتحف سقف ممزق الاحشاء حتى بدت منه كبده القطنية.
وحدها النوافذ كانت متجملة بأشعة ذهبية جمعتها من عين السماء، تصغي إلى أفكار من يضع رأسه على صدرها تمنحة شئ من الإحتضان، و من يفتحها كمن يفتح شاشة التلفزيون تبث له أصوات و صور لأناس يمكن لمسهم و شمهم وتخيل قصصهم، صوت ضحك و ثرثرة، أغان و شتائم!
و زئير المركبات يعطي خلفية موسيقية لمشهد سيريالي تبثة نافذة حبلى بالحياة!
حمل لا يمكن إجهاضه حتى بوضع الستائر التي اختارت إحدى الراكبات فك قيدها لتنسدل بخفه وتمنح المكان سكون النص الظلام!
فُتح الباب لتركب آخر طالبة وتهبط كفراشة بجانبي سلمت على الجميع بصوت بدا رخامي صاف أجاب عليه أنا فقط فكأن الصامتات يعاقبنها على تبجحها في التأخير ولكن لا يهم فنحن جميعاً لا نعرف من بعضنا البعض سوا العيون هذا ما منحنا أياه “النقاب ” جعلنا نتقن أشكال العيون نتخاطب بها و نقسو و ننتظر بها!
قالت لي و هي التي لا تعرفني “: نزل راتب الشؤون” سأنزل السوق اليوم لأشتري “جاكيت ” لأبن أختي فقد أوصاني بأن يكون لونه أخضر أخبرني أن برد المدرسة صباحاً أكثر وحشية من “الزومبي “، بينما كنت أتساءل مع نفسي كيف لنا أن نشارك من لا نعرفهم أو بالأصح من لا نعرف منهم سوا عيونهم و شيء من نبرات أصواتهم و أحياناً حرارة عروقهم حين التصافح!
هذه الأشياء كفيلة بأن تمنحنا ثقة الحديث و فتوى حلية البوح العميق، لنهطل بأسرارانا و أفراحنا و بكل شيء يرغب به الكلام أن يلده من رحم الأفواه.
ربما لأننا نبدوا لهم صفحة بيضاء غير مسطرة!
نختار لهم ما نريدهم أن يعرفوه ليمنحونا بالمقابل تعاطف و مجاملة زمنية ترضي فينا الشبق وينتهي الأمر!
بدت عيناها العسليتان أكثر إتساعاً من فرط الفرح، رموشها المتوسدة اجفانها بدت متراصة لتمنع دمعة توشك على السقوط! تتحدث بلغة السعادة المولدة حديثاً فهي وردية طرية،
لو تدرك “وزارة الشؤون الاجتماعية “انه ثمة عينان ستغدوان أكثر جمالاً و فتنة، انه ثمة لؤلئتان ستلمعان على اليابسة!
انه ثمة زهرتان على التلال بهما ندى!
لو أنها تدرك ذاك الطفل الحالم بدفء الصباح!
المشتهي للأخضر كما تشتهي العصافير الشجر!
لو أن الأشياء تدرك كم نحن ننتطرها و نتمناها كسفن اتعبها الإبحار و تشتاق إلى المرفأ، نحلم بحدوثها و الاحتفاء بها، نقلق لتأخرها و نهوي لعدمها كما يهوي طائر سرقت منه رصاصة فرصة الحياة!
أيتها الأشياء كونِ،
لتتسع العيون ويتسع العيش!

الليمون يحترق

زهراء الفرج

 

مرضتِ ! و الأبواب تصلبت مفاصلها و باتت تئن كلما مر عبرها أحد، وتلك الأشياء الصغيرة التي تسكن رفوف المكتبة اصابتها حساسية من فرط ما تآمر عليها غبار الجو حتى وسائد اريكتك المفضلة تعرضوا لتهجير جماعي أنهم الآن لاجئين في زوايا و تحت كراسي ومنهم مفقود!
كل الأشياء مريضه ومبعثرة تماماً كمشاعري.
و محاولة للمصالحة مع مزاجي العكر شرعت في إعداد كعكة الليمون لطالما كانت رائحتها تزرع الفرح في أنفي و روحي، اتذكرين كنت تعدينها لنا عصرا نهاية الأسبوع , ما أكثر الأشياء الجميلة في نهاية الأسبوع!
جدي الذي يزورنا , فنضمن الحصانة ضد أي عقوبة محتملة، جهاز اللاب توب الذي يُسمح لنا بتناول شاشتة و قظم مفاتيحه.
انتهيت من إعدام المقادير على مقصلة وعاء وردي مزهر , يالله حينما يغدوا الإعدام جميلاً!
وهو وحده لا يكفي فهناك فصل اخير للجريمة , الاكتواء في فرن يباني , لكن الأخير هذا قرر الخيانة أو الوفاء!
فأحرق الليمون و منحه رائحة عكره مستغلاً انشغالي بتنظيف أدوات الجريمة، أراد أن يخبرك بأن لاتمرضي فحين تمرضي يحترق الليمون و تثور اليابان، تتشرد أحلامنا و تُغبر أرواحنا.. أمي كوني بخير من أجلي و من أجل الليمون!